ليلة يلدا في ميزان الدين: لا تقديس ولا تحريم

الکاتب: محمد محمودي - سردشت

"لیلة "یلدا" الليلة الأولى من الشتاء وهي أطول لیلة في التقویم الفارسي؛ وبحسب اعتقاد الإيرانيين القدماء تُعد لیلة یلدا رمزاً للانتصار على الظلام وبدایة الانفتاح على الضوء، حیث یحتفل الإیرانیون بهذه اللیلة بالألوان الزاهیة والمأکولات التقلیدیة وجلسات قراءة الشعر والحکایات الشعبیة، لتکون لیلة ملیئة بالدفء والأمل".

ومن منظور ديني، تُعدّ ليلة "يلدا" ظاهرة محايدة في جوهرها، لا تكمن قيمتها في قدمها التاريخي، بل في تطهيرها من الخرافات وتوجيهها نحو القيم الأخلاقية كالقرابة، وبر الوالدين، والإحسان إلى الفقراء. وبنظرة حكيمة إلى "العرف"، يعتبر الدين هذه الليلة فرصة لتقوية العلاقات الاجتماعية وإحياء ذكرى مرور الزمن، شريطة ألا تُلوّث بالترف أو الغفلة من الله أو الظلم للناس. وفي نهاية المطاف، يمكن أن تتناغم يلدا مع روح الثقة الإسلامية عندما تصبح، بدلاً من تقديس الزمن، منصة لتحقيق العدل والتعاطف والعبودیة الصادقة.

لطالما احتلت ليلة يلدا، أطول ليالي السنة، مكانة خاصة في ثقافة الإیرانیین؛ ليلةٌ تبلغ فيها الطبيعة ذروة الصمت والظلام، وبعدها يبدأ مسار النور من جديد. هذه الظاهرة الطبيعية حوّلت ليلة يلدا من مجرد ظاهرة فلكية إلى مفهوم رمزي في الفكر والثقافة الإنسانية. لكن عندما يتعلق الأمر بالدين، تصبح الأسئلة أكثر جدية: هل احتفال ليلة يلدا مقبولة أم ينبغي تجنبها؟ هل هي متجذرة في خرافات وطقوس قديمة، أم أنها قد تكون فرصة للمعنى والتأمل والتواصل الإنساني؟
ومن منظور ديني، ينظر الإسلام إلى "الزمن" باعتباره خلقاً من خلق الله، لا كيانًا مقدسًا ولا شريرًا. ويُقدّم القرآن الكريم الليل والنهار كآيات إلهية؛ آيات للتأمل لا للعبادة. ومن هذا المنطلق، لا تُعتبر أي ليلة مباركة أو مشؤومة بطبيعتها إلا إذا عرفها الله کذلك؛ كليلة القدر، التي لها فضل خاص وفقًا للقرآن. ولذلك، ينبع قلق معارضي ليلة يلدا من الخوف من أن تكتسب هذه الليلة طابعًا مقدسًا دون علمهم، أو أن تُربط بمعتقدات غير توحيدية وطقوس قديمة لا تتوافق مع العقيدة الإسلامية. وهذا القلق، من حيث المبدأ، مبرر. فقد عارض الدين دائمًا أي تقليد يؤدي إلى الشرك، أو الخرافات، أو الإسراف، أو الغفلة، أو تقليد الطقوس الباطلة. وإذا أصبحت ليلة يلدا ذريعةً للجموح، أو الترف المفرط، أو التنافس، أو إحياء معتقدات فلكية مستقلة عن إرادة الله، فإنها تُرفض بلا شك من منظور ديني. لا يسمح الإسلام للزمان أو الطبيعة بأن يحلّا محل الخالق في قلب الإنسان. ومن جهة أخرى، يعتقد المؤیدون أن ليلة يلدا، إذا ما تحررت من الخرافات، يمكن أن تكون مجرد "عادة اجتماعية"؛ عادة ليست عبادة ولا عقيدة، بل فرصة إنسانية للتواصل والحوار والتجمعات العائلية وإحياء ذكرى مرور الزمن. ومن هذا المنظور، لا تُعدّ يلدا ليلة مقدسة ولا طقساً دينياً، بل هي ذريعة للقيام بأمور أوصى بها الدين نفسه.

ومن أبرز تجليات هذا المعنى بر الوالدين؛ فإذا أصبحت ليلة يلدا فرصةً لزيارة الوالدين، ومواساتهما، والاستماع إلى كلماتهما تقدیراً لجهودهما ومعاناتهما، فإن هذه الليلة تتجاوز كونها مجرد عادة اجتماعية، وتكتسب بعدًا أخلاقيًا وروحيًا. فالدين الذي يأمر ببر الوالدين بعد التوحيد، يُعلي من شأن هذا السلوك؛ ليس لمجرد اسم يلدا، بل لما يحمله من مضمون إنساني وروحي.

وإضافةً إلى ذلك، تحتل رابطة القرابة مكانةً خاصةً في التعاليم الإسلامية. فإذا أصبحت يلدا ذريعةً لزيارة الأقارب، ومصالحة القلوب، وحلّ الخلافات، وإحياء العلاقات التي طواها النسيان في زحمة الحياة، فإن هذا التقليد العرفي يكون قد حقق أحد أهم الأهداف الاجتماعية للدين. وفي هذه الحالة، لن تكون يلدا سببًا للغفلة، بل جسرًا نحو بناء مجتمع متماسك ومتحاب.

ومن جهة أخرى، يُنبّهنا المنظور الديني إلى البُعد الاجتماعي للعدل والتعاطف ومن سلبيات مناسبات مثل ليلة يلدا إهمال الفقراء والمحتاجين وسط موائد الزينة. فالسعادة التي تُصاحبها معاناة الآخرين ليست سعادة حقيقية من منظور ديني. إذا رأى الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال في هذه الليلة فرصةً لمساعدة المحتاجين، وملء الموائد الفارغة، وتخفيف معاناة الأسر المحتاجة، فإن يلدا ستصبح رمزًا للكرم والمسؤولية الاجتماعية؛ ليلةً يُنير فيها نور التعاطف ظلام الفقر.

ينطبق المنطق نفسه على الاقتصاد والسوق؛ ففي الليالي التي يزداد فيها الطلب الشعبي، يصبح السوق ساحةً لاختبار الأخلاق. إن المغالاة في الأسعار، والاحتكار، واستغلال حوائج الناس، ليست مجرد وجهٍ قبيحٍ للسوق، بل هي أيضاً دليلٌ على ابتعادهم عن القيم الدينية. وإذا رأى أصحاب المتاجر والمسوقون في ليلة يلدا فرصةً للإنصاف، وتقديم خصوماتٍ عادلة، وتخفيف أعباء المعيشة عن الناس، فإن أعمالهم ستتخذ طابعاً دينياً. فالدين، الذي يدين بشدة البيع على المكشوف، يعتبر هذا السلوك مثالاً على التقوى العملية. وإذا نظرنا إلى سيرة النبي ﷺ وصحابته، نرى أنهم كانوا يتبعون نهجاً حكيماً في التعامل مع الأعراف والعادات. فكل ما لا يتعارض مع التوحيد والأخلاق لم يُرفض، بل جرى تصحيحه وتوجيهه. وكان المعيار هو المضمون لا الاسم. وبناءً على ذلك، فإنّ جمع العائلات، وتوطيد المحبة، ومواساة بعضهم بعضًا، وتذكّر نعم الله، إذا ما صادف ذلك في ليلةٍ كليلة يلدا، ليس فقط أمرًا مستهجنًا، بل يُمكن وضعه أيضًا على طريق القيم الدينية.

ومن منظور ديني متوازن، لا تكمن المسألة الأساسية في ليلة يلدا، بل في كيفية تعاملنا معها. هل تُذكّرنا هذه الليلة بمرور الحياة، وقصر الدنيا، وقيمة اللحظات؟ هل تُصبح فرصةً لذكر الله، وإجراء حوارات صادقة، واحترام كبار السن، والاهتمام بالضعفاء في المجتمع؟ أم تُصبح ليلةً للإسراف والإهمال والتقليد الأعمى؟
تُعلّمنا الحكمة الدينية أن النور يأتي بعد الظلام، ليس فقط في الطبيعة، بل في حياة الإنسان أيضًا. فإذا كانت ليلة يلدا رمزًا يُذكّرنا بأن الظلام لا يدوم وأن الأمل دائمًا في الطريق، فإن هذا المعنى ينسجم مع روح الإسلام القائمة على الثقة والأمل، شريطة ألا يحل هذا الرمز محل الإيمان، بل يخدمه.

وأخيرًا، يمكن القول إن ليلة يلدا ليست مرغوبة في حد ذاتها ولا مستهجنة في حد ذاتها. إنما ما يُضفي عليها قيمتها أو يُفقدها قيمتها هو النوايا والسلوكيات والمضمون. فالدين لا يدعونا إلى التخلي عن التقاليد دون تفكير، بل إلى تهذيبها. فإذا أصبحت يلدا ذريعةً لبر الوالدين، وصلة الأرحام والتعاطف مع الفقراء، والعدل في المجتمع، فقد تكون ليلةً مثمرة وبنّاءة؛ أما إذا انحرفت عن ذلك، فستكون مستهجنة كأي سلوك خاطئ آخر.

والحكمة تكمن في عدم الانجراف وراء هذه التقاليد والعادات أو في معاداتها، بل في استرشادنا بنور الدين لنهتدي إلى الصواب.